ابن هشام الحميري

302

كتاب التيجان في ملوك حمير

عمير - هل للجزع عاقبة تنفع أو مانع يدفع ، فإن حاولت ذلك فأسال القرون الماضية والأمم الخالية قبلك هل تمنع من أسف وجزع أو خاب من صبر وقنع - يا عمير : - ليس ينزل بك ينهى ولا يرجع عنك مأمور - يا عمير : - أنظر الأيام ثلاثة : يوم مضى ولا ترجوه ، ويوم أنت فيه لا بد منه ، ويوم يأتيك لا تأمنه ، فأمس واعظ واليوم غنيمة وغد لا تدري ما حكمه فأمس شاهد مقبول وأمين مؤد فحكم مؤدب وعظك بنفسه وأمضيت معه زاداً خيراً أو شراً وترك لك منه خلفاً لتحسن صحبته وهذا اليوم الذي أنت فيه صديق أدبك بغدره وبواك غير محله ، سريع الظعن فأحسن له الصحبة يلقنك حجة ويحبوك شهادة ، واليوم المقبل حاكم تنتظر قدومه ، أما حبيب فلا تظلم أو فقد فلا ترحم - يا عمير : - الحرص فضول ما عناؤك في طلب ما هو لك وأسفك على ما ليس لك - يا عمير : - كيف ترجو أن يرجع إليك هالك وأنت به لاحق ورجاؤك البقاء بعده طمع في درك ما لا يكون وترك ما هو كائن والمرجع قريب ولا تمعن في الطلب فيطيح بك الأمل وتنأى بك الغفلة ، ومع الأمل الأجل ومع الغفلة الردى وإن أعظم من المصيبة هو كلف الخلف منها - يا عمير : - من مد يده إلى أخذ مالا يؤخذ انتشبت في يده الخيبة - يا عمير : - من معدن الجزع يستفاد الغنيمة . ثم أقبل على عامة الناس فقال : أيها الناس البقاء بعد الفناء والغناء بعد العناء والحياة بعد الموت والعرض بعد القرض اليوم العارية وغداً الهبة وخلقنا ولم نك شيئاً وسنعود ولا شيء ورثنا من كان قبلنا وإنا وارثون موروثون فاستخلصوا ما تقدمون عليه بترك ما تطمعون فيه وتسألون ما هو وتخبرون خيره وشره .